ابن الوزان الزياتي

442

وصف افريقيا

ولأهل قرطاج تكبر يفوق القياس ولكنهم فقراء وبؤساء . ويبدو عليهم شدة التدين . وأكثرهم بساتنة وفلاحون . ويرهقهم الملك بالضرائب حتى لا تجد منهم من يملك عشرة دنانير . وفي ذلك جور يعرفه الجميع . مدينة تونس الكبرى تسمى تونس عند اللاتين تونيتوم ، ولدى العرب تونس . ولكن يعتقد هؤلاء أن هذا الاسم محرف لأنه لا يعني شيئا في لسانهم . وكانت تدعى في غابر الزمن ترسيس ، كتلك المدينة الموجودة في آسيا « 85 » . ومهما كان الأمر ، فقد كانت في الماضي مدينة صغيرة بنيت على أيدي الأفارقة على ضفة بحيرة تتكون مياهها من ممر حلق الواد ، على مسافة ميلين تقريبا من البحر المتوسط . وقد أخذت هذه المدينة بالتوسع بعد خراب قرطاج ، سواء فيما يتعلق بعدد مساكنها أو فيما يتعلق بعدد سكانها . والواقع هو أن القوات التي احتلت قرطاج لم ترغب في المكث فيها خشية وصول بعض النجدات القادمة من أوروبا فسكنوا تونس وبنوا فيها بيوتا . وبعدئذ قدم قائد جيش عثمان ، ثالث خليفة ، واسمه عقبة ، فأعطى هذا امرا للقوات بألّا تقيم في أية مدينة كانت قريبة من البحر أو على شاطىء البحر نفسه . ولهذا السبب بنى المدينة التي دعيت القيروان ، على مسافة ست وثلاثين ميلا من البحر وحوالي مائة ميل من تونس . فغادرت القوات إذن تونس واستقرت في القيروان . فاحتل أهل تونس البيوت التي غادرها الجنود « 86 »

--> ( 85 ) يقارب المؤلف اسم مدينة تارس في كيليكيه ( واسمها اليوم طرسوس ) مع ترسيس أو ترشيش التي ورد ذكرها في التوراة والتي يعتقد أنها منطقة « حلوة » و « أشبيلية » في أسبانيا . وقد ظن العرب بالفعل أن ترسيس كان هو اسم تونس القديمة . ( 86 ) على الرغم من فقدان الدقة في معرفة أحداث الفتح الإسلامي لإفريقيا وعن تواريخها ، لأن هذا الأمر مضطرب كل الاضطراب ، فإن ولاية إفريقيا خرجت عن سلطة إمبراطور القسطنطينة ، كونستان الثاني في عام 646 م بسبب تمرد القائد البيزنطي جريجوار . ولكن هذا قتل في صيف عام 648 م في معركة ضد جيش عربي لم يمكث في هذه البلاد سوى خمسة عشر شهرا جمع خلالها الغنائم وعاد أدراجه . وعادت ولاية إفريقية إذن للسلطة الإمبراطورية ولم يتم الفتح الإسلامي الفعلي لهذه البلاد إلا من قبل الخليفة معاوية عام 665 م . وفي خلال حكم كونستان الثاني حتى 668 م وابنه قسطنطين باغونات حتى 688 م لم يستطع العرب اكتساح الكتلة الجبلية في بلاد تونس الشمالية . وفضلا عن ذلك ظلت الخلافة في المشرق بين 680 م ، 693 م عرضة لاضطرابات خطيرة ، فأهملت قضية إفريقيا . كما أن القادة الذين تعاقبوا